اسماعيل بن محمد القونوي
258
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
لا يشترط الرضاء بل يكفي وقوعه فيما بينهم على أن المعترض وهو ابن كمال صرح باشتراط الرضاء في سورة مريم انظر إلى هذا التناقض منشأه فرط الحرص على هدم كلام السلف مع الغفلة عن طعن الخلف بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ [ السجدة : 10 ] ترق وانتقال من بيان كفرهم بالبعث إلى بيان ما هو أشنع منه وهو كفرهم « 1 » بما بعد البعث من الجزاء والرجوع إلى حكم اللّه تعالى وقد أشار إليه المصنف بقوله وما بعده والأشنع هو كفرهم بالبعث وما بعده على ما أشار إليه المص وهو الأولى قوله بالبعث إما بدل من بِلِقاءِ رَبِّهِمْ [ السجدة : 10 ] على أنه كناية عنه وكذا الكلام في قوله أو يتلقي ملك الموت أو بتقدير المضاف قوله وما بعده ناظر إليهما لا إلى الأخير فقط أو بيان لقاء ربهم على أن الباء للسببية أو الظرفية قوله جاهدون فسره به لتعديته بالباء . قوله تعالى : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 11 ] قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 11 ) قوله : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ [ السجدة : 11 ] ) مناسبته لما قبله على الثاني ظاهرة وأما على الأول فلأنهم لما أنكروا البعث رد عليهم بقوله : ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [ السجدة : 11 ] وذكر الموت للتهديد وأنه القيامة الصغرى وموقوف عليه للبعث وللتنبيه على أن من قدر على الإماتة قدر على الإحياء ثانيا وإسناد التوفي إلى ملك الموت مجاز عقلي قال تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها « 2 » [ الزمر : 42 ] الآية وهنا قيل يَتَوَفَّاكُمْ [ السجدة : 11 ] لأنه مسوق لرد المنكرين بخلاف الآية المذكورة ولذا ذكر الأنفس بجميعها . قوله : ( يستوفي نفوسكم « 3 » لا يترك منها شيئا ) المراد بالنفوس الأرواح أي يقبض أرواحكم بحيث لا يدع فيكم شيئا من أجزائها وهذا معنى التوفي والاستيفاء لأنهما أخذا الشيء بتمامه وهذا البيان بناء على أن الأرواح ليست بمجردة بل هي حالة في الأبدان قوله : يستوفي نفوسكم التوفي استيفاء النفس وهي الروح قال اللّه تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ [ الزمر : 42 ] وهو أن يقبض كلها لا يترك منها شيء يقال توفيت حقي من فلان واستوفيته أي أخذته وافيا كملا من غير نقصان والتفعل والاستفعال يلتقيان كثيرا مثل تقصيته واستقصيته بالصاد المهملة من القصوى أي بلغت أقصاه يقال استقصى فلان في المسألة وتقصى كلاهما بمعنى واحد .
--> ( 1 ) وهو معنى قول صاحب الكشاف فلما ذكر كفرهم بإنشاء البعث أضرب عنه إلى ما هو أبلغ في الكفر وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة لا بالإنشاء وحده ألا يرى كيف خوطبوا بتوفي ملك الموت والرجوع إلى ربهم . ( 2 ) وتقديم المسند إليه في هذه الآية دون فيما نحن فيه للإشارة إلى أن التوفي فعل اللّه فقط والملائكة موكلون من جهته تعالى وفعل الوكيل فعل الموكل وبهذا يندفع الاضطراب بأن التوفي كيف يسند إلى الملك مع أنه مسند إليه تعالى . ( 3 ) هذا المعنى لا يتمشى إذا كان الريح عبارة عن الأرواح المجردة وأن ملك الموت كيف ينصرف في قطع الأرواح المجردة عن الأبدان فلا يعرف له وجه ويشكل على من اختار أن الأرواح مجردة توفيه ملك الموت ولذا قال في قوله تعالى : يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ أي بقطع تعلقها الخ وهنا لم يستتر بذلك فليتدبر .